الغزالي
27
إحياء علوم الدين
والثالثة : إيمان العارفين ، وهو المشاهد بنور اليقين ونبين لك هذه المراتب بمثال ، وهو أن تصديقك بكون زيد مثلا في الدار له ثلاث درجات : الأولى : أن يخبرك من جربته بالصدق ، ولم تعرفه بالكذب ، ولا اتهمته في القول ، فإن قلبك يسكن إليه ، ويطمئن بخبره بمجرد السماع ، وهذا هو الإيمان بمجرد التقليد وهو مثل إيمان العوام . فإنهم لما بلغوا سن التمييز ، سمعوا من آبائهم وأمهاتهم وجود الله تعالى ، وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته ، وبعثة الرسل وصدقهم وما جاؤوا به ، وكما سمعوا به قبلوه ، وثبتوا عليه ، واطمأنوا إليه ، ولم يخطر ببالهم خلاف ما قالوه لهم ، لحسن ظنهم بآبائهم وأمهاتهم ومعلميهم . وهذا الإيمان سبب النجاة في الآخرة ، وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين ، وليسوا من المقربين ، لأنه ليس فيه كشف وبصيرة وانشراح صدر بنور اليقين ، إذ الخطأ ممكن فيما سمع من الآحاد ، بل من الاعداد ، فيما يتعلق بالاعتقادات فقلوب اليهود والنصارى أيضا مطمئنة بما يسمعونه من آبائهم وأمهاتهم ، إلا أنهم اعتقدوا ما اعتقدوه خطأ ، لأنهم ألقى إليهم الخطأ . والمسلمون اعتقدوا الحق ، لا لإطلاعهم عليه ، ولكن ألقى إليهم كلمة الحق . الرتبة الثانية : أن تسمع كلام زيد وصوته من داخل الدار ، ولكن من وراء جدار ، فتستدل به على كونه في الدار . فيكون إيمانك وتصديقك ويقينك بكونه في الدار أقوى من تصديقك بمجرد السماع . فإنك إذا قيل لك إنه في الدار ، ثم سمعت صوته ، ازددت به يقينا ، لأن الأصوات تدل على الشكل والصورة عند من يسمع الصوت في حال مشاهدة الصورة ، فيحكم قلبه بأن هذا صوت ذلك الشخص . وهذا إيمان ممزوج بدليل . والخطأ أيضا ممكن أن يتطرق إليه ، إذ الصوت قد يشبه الصوت ، وقد يمكن التكلف بطريق المحاكاة ، إلا أن ذلك قد لا يخطر ببال السامع ، لأنه ليس يجعل للتهمة موضعا ، ولا يقدر في هذا التلبيس والمحاكاة غرضا الرتبة الثالثة : أن تدخل الدار فتنظر إليه بعينك وتشاهده . وهذه هي المعرفة الحقيقية ، والمشاهدة اليقينية ، وهي تشبه معرفة المقربين والصديقين ، لأنهم يؤمنون عن مشاهدة ،